سيد محمد طنطاوي
328
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
[ سورة المطففين ( 83 ) : الآيات 29 إلى 36 ] إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ( 29 ) وإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ ( 30 ) وإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ( 31 ) وإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ ( 32 ) وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ ( 33 ) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ( 34 ) عَلَى الأَرائِكِ يَنْظُرُونَ ( 35 ) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 36 ) وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات ، أن بعض المشركين - كأبى جهل والعاص بن وائل - كانوا يستهزئون من فقراء المسلمين كصهيب وعمار بن ياسر . وقوله - سبحانه - * ( أَجْرَمُوا ) * من الإجرام ، وهو ارتكاب الجرم . ويطلق على الإثم العظيم . والذنب الكبير ، والمراد بإجرامهم هنا : كفرهم باللَّه - تعالى - واستهزاؤهم بالمؤمنين . أي : إن الذين ارتكبوا في دنياهم أقبح الجرائم وأشنعها ، وهم زعماء المشركين * ( كانُوا ) * في الدنيا * ( مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ) * أي : كانوا في حياتهم يتهكمون بالمؤمنين ، ويسخرون منهم ، ويعتبرونهم الأراذل الذين يجب الابتعاد عنهم . وإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ أي : وإذا مر هؤلاء المجرمون بالمؤمنين سخروا منهم ، وتغامزوا فيما بينهم على سبيل الاستهزاء بفقراء المؤمنين . والتغامز : تفاعل من الغمز ، وهو الإشارة بالجفون والحواجب على سبيل الطعن والتهكم . أي : يغمز أحدهم الآخر لينبه إلى ما عليه فقراء المسلمين من شظف العيش ، ومن غير ذلك من الأحوال التي لا يرضاها المشركون لجهلهم وغرورهم وبلادة حسهم . * ( وإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ) * أي : وإذا رجع هؤلاء المجرمون إلى أهلهم من مجالسهم التي كانوا فيها . . رجعوا متلذذين باستخفافهم بالمؤمنين . والسخرية منهم . فهم لإيغالهم في الكفر والفسوق والعصيان ، لا يكتفون بالغمز واللمز عندما يرون المؤمنين ، بل يجعلونهم عند عودتهم إلى أهليهم ، مادة تفكههم وضحكهم . فقوله : * ( فَكِهِينَ ) * جمع فكه ، صفة مشبهة ، وهي قراءة حفص عن عاصم .